منوعات

تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري، معروفةً في عمّان بأنها الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد

هناك شيء يجب أن تعرفه لكن بعد أن تسمعه، لن تعود تنظر إليّ بالطريقة نفسها أبدًا. ظلّت تنظر إليّ بعينين مرتجفتين لثوانٍ طويلة، وكأنها تحاول التراجع عمّا ستقوله. ثم رفعت طرف الفستان ببطء ورأيت الطويلة الممتدة أسفل بطنها. تجمّدتُ مكاني فورًا. لم أفهم شيئًا وقتها، لكن الطريقة التي كانت ترتجف بها جعلت الخوف يتسرّب إلى صدري دون سبب واضح.

جلست ببطء على طرف وهي تضم يديها بقوة، ثم قالت بصوت بالكاد خرج
قبل سنوات كنتُ مريضة جدًا.
أكملت وهي تتجنب النظر إليّ
كان عندي فشل حاد في الكبد والأطباء قالوا إنني لن أعيش إن لم أُجرِ عملية زراعة بسرعة.
ثم سكتت لحظة، وكأن الكلمات تخنقها.
وأبي فعل أي شيء حتى يُبقيني حيّة.
في البداية لم أفهم لماذا شعرتُ بالبرد يسري داخل جسدي فجأة.
لكن الحقيقية جاءت عندما نطقت اسم أخي.
شعرتُ وكأن اختفى من عروقي بالكامل.
حدّقتُ فيها غير مصدّق.
حتى أنني ظننت للحظة أنني سمعت الاسم خطأ.
لكنها بدأت تبكي وهي تهز رأسها
أنا لم أكن أعرف شيئًا وقتها أقسم بالله.
ثم أكملت بصوت متقطع
في الليلة نفسها دخل أخوك المستشفى بعد كبير.
توقّف نفسي للحظة.
أما هي فكانت ترتجف أكثر وهي تتابع
كان هناك متبرع مناسب نادر جدًا والأطباء قالوا إن الوقت لا يكفي لإنقاذ الحالتين.
شعرتُ وقتها بشيء داخل صدري.
ماذا تقولين؟
خرج صوتي أعلى مما توقعت.
تراجعت للخلف فورًا وكأنها خافت مني.
ثم همست
أبي استخدم نفوذه حتى تحصل عمليتي على الأولوية.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا  بيدي حافة الطاولة الصغيرة بجوار .
الكأس الزجاجي وتحطم فوق الأرض.
لا
خرجت مني الكلمة كأنها .
لا لا تقولي هذا.
كانت تبكي بصمت وهي تضم ذراعيها إلى صدرها كطفلة خائفة.
ثم بدأت تحكي.
عندما

مقالات ذات صلة

كانت في السادسة تقريبًا، دخلت المستشفى في حالة جدًا.
وكان والدها مستعدًا لفعل أي شيء حتى لا ابنته الوحيدة.
كبرت وهي ترى أباها بطلاً.
الرجل الذي كان يحملها بنفسه بين المستشفيات.
الرجل الذي لم يترك  ليلة واحدة.
الرجل الذي كان يرتجف خوفًا عليها أكثر منها.
قالت وهي تبكي
كنت أظنه أفضل إنسان في الدنيا.
ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وأكملت
لكن قبل سنوات سمعت شجارًا بينه وبين طبيب قديم داخل مكتبه.
رفعت عينيها نحوي للحظة قصيرة قبل أن تخفضهما مجددًا.
الطبيب كان خائفًا منه وكان يكرر اسم أخيك أكثر من مرة.
سكتت قليلًا.
وبعدها دخلت مكتب أبي عندما كان خارج المنزل.
تنفّست بصعوبة.
وجدت ملفًا طبيًا قديمًا مخفيًا داخل درج مقفل.
شعرتُ بقبضتي تنغلق دون إرادة.
قالت وهي تبكي
اختفى كل شيء حولي للحظة.
صوتها.
الغرفة.
حتى نفسي.
ثم أكملت بصوت مكسور
عرفت وقتها أن والدِي دفع أموالًا للمستشفى حتى تُغلق القصة بسرعة وحتى لا تصل لأي جهة رسمية.
كانت دموعها تنزل بصمت.
الممرضة التي حاولت الاعتراض طُردت بعدها بأيام.
شعرتُ بالغثيان.
لأول مرة لم أعد أرى رجلًا ثريًا فقط
رأيت رجلًا خاف على ابنته لدرجة بها حياة عائلة كاملة.
قالت وهي تمسح دموعها المرتجفة
ومنذ تلك اللحظة انهارت حياتي بالكامل.
لم تستطع كره أبيها.
ولم تستطع مسامحته أيضًا.
وهنا بدأت مأساتها الحقيقية.
دخلت في اكتئاب حاد.
انعزلت عن الناس.
وكان الطعام الشيء الوحيد الذي يمنحها شعورًا قصيرًا بالأمان كلما انهارت نفسيًا.
ومع السنوات بدأ وزنها يزداد بشكل واضح.
أما الناس
فلم يعرفوا شيئًا من الحقيقة.
كل ما رأوه فتاة بدينة ومنطوية تدخل مصحات نفسية أحيانًا وتختفي لفترات طويلة.
وبدأت الإشاعات تنتشر حولها بشكل .
مرة يقولون إنها مجنونة.
ومرة يقولون إنها ناقصة.
وبعضهم كان يلمّح بأنها ليست عذراء أصلًا بسبب العمليات والعلاج والمصحات التي تدخلها.
وفي إحدى المرات
سمعت بنفسها امرأة تهمس في عرس قريب لها
أكيد أبوها يخفي مصيبة.
ثم ضحكت الأخرى قائلة
لو كانت طبيعية لتزوجت منذ زمان.
حبست نفسها بعدها أسبوعًا كاملًا داخل غرفتها.
أما هي
فكانت تسمع كل ذلك وتسكت.
قالت بصوت منخفض
مع الوقت بدأت أصدقهم أنا أيضًا.
ورغم كل شيء
كان والدها يحبها فعلًا.
لكن بطريقة مشوّهة ومؤذية.
كان يحاول علاجها باستمرار.
يجلب لها أطباء نفسيين.
يسافر بها أحيانًا للخارج.
ويغضب بجنون إذا سمع أحدًا يسخر منها.
لكنه في الوقت نفسه
كان السبب الحقيقي في كل ما .
ولهذا أصبحت  مؤلمة جدًا.
هي لا تستطيع لأنه أبوها الذي تربّت على حبه وطاعته.
وهو لا يستطيع الاعتراف بما فعله لأنه أقنع نفسه لسنوات أنه فقط أنقذ ابنته.
وعندما اقترب عمرها من الثلاثين
بدأ يخاف أكثر.
ليس لأنها ستبلّغ عنه.
هو يعرف أنها لن تفعل ذلك أبدًا.
بل لأنه رأى الذنب ببطء كل يوم أمام عينيه.
وكان يريد تزويجها لرجل محترم يعيدها للحياة قليلًا ويُسكت كلام الناس في الوقت نفسه.
لكنها رفعت عينيها نحوي أخيرًا وقالت
لكنه اختارك أنت تحديدًا لسبب آخر.
شعرتُ بقلبي ينقبض.
كان يعرف من تكون.
سكتت لحظة.
ويعرف أن عائلتك هي العائلة التي خسرت طفلها يوم نجاتي.
اختفى الهواء من الغرفة.
أظنه كان يحاول أن يعوّض شيئًا لا يمكن تعويضه.
ثم أضافت بصوت موجوع
لكن بطريقة أنانية ومشوّهة.
وعندما فهمتُ كل ذلك داخل تلك الغرفة
لم أعرف ماذا أشعر.
كره؟؟
شفقة؟
كل شيء اختلط بشكل مرعب.
كنت أريد أن أصرخ في وجهها
وكيف ما زلتِ تحبينه بعد كل هذا؟!
لكنها سبقتني وهي تبكي
كنت أريد أن أخبرك قبل الزواج لكنني كلما رأيت صورة أخيك في بيتكم كنت أجبن.
ثم همست بصوت مرتعش
وخفت أكثر أن تكره أبي أمامي لأنني رغم كل شيء ما زلت أحبه.
تلك الجملة وحدها كانت كافية لتكسر شيئًا داخلي.
لأنها كانت حقيقية بطريقة جدًا.
هي ليست فتاة شريرة.
ولا امرأة تخطط من أبيها.
ولا بطلة ستقف أمام الناس .
هي فقط ابنة كبرت وهي ترى أباها الرجل الذي أنقذ حياتها
ثم اكتشفت متأخرة أن حياتها بُنيت فوق  طفل آخر.
ومنذ ذلك اليوم
وهي تعيش بين حبٍّ لا تستطيع
وذنبٍ لا تستطيع احتماله.
ظلّت تبكي بصمت، بينما كنتُ عاجزًا حتى عن النظر إليها.
كل شيء داخل رأسي كان مختلطًا بشكل .
أخي.
أمي.
صورة أخي الصغيرة وهو يركض خلفي في الحارة بضحكته العالية.
السنوات التي عشناها في الفقر.
ونظراتها المرتعبة.
وذلك الرجل الذي أحبّ ابنته لدرجة بها حياة غيره.
شعرت فجأة أن الغرفة أصبحت أضيق من أن أتنفس داخلها.
وقفت دون أن أقول شيئًا.
رفعت رأسها نحوي بسرعة، وكأنها فهمت ما سأفعله.
وقالت بصوت مكسور
أنا آسفة
لكنني لم أعرف كيف أرد.
لأنني في تلك اللحظة
لم أكن قادرًا على كرهها بالكامل.
ولا قادرًا على مسامحتها.
أخذت معطفي وغادرت الفندق.
وخلفي
بقي صوت بكائها يلاحقني حتى باب المصعد.
عدتُ تلك الليلة إلى بيت أمي.
أما هي
فعادت صباح اليوم التالي إلى بيت والدها.
ومنذ تلك اللحظة
بدأ كل شيء بيننا يتغيّر.
مرّت الأيام بعد ليلة الزفاف ببطء ثقيل، وكأن الوقت نفسه أصبح مترددًا في التحرك.
لا أنا استطعتُ أن أتعامل معها كزوجة طبيعيّة
ولا هي استطاعت أن تنظر إليّ دون ذلك الخوف القديم داخل عينيها.
وفي كل ليلة كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها
لكن صورة انهيارها داخل الفندق لم تكن تفارقني.
كانت تبكي وكأنها تحمل عمرًا كاملًا فوق صدرها.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى