أخبار

معنى كلمة “الحوايا” في القرآن الكريم: دراسة لغوية وتفسيرية

يتميز القرآن الكريم بدقة ألفاظه وبلاغة تعبيراته، حيث تأتي كل مفردة في سياقها لتؤدي معنىً دقيقاً لا يمكن لغيرها أن يؤديه. ومن الألفاظ التي استوقفت المفسرين واللغويين كلمة “الْحَوَايَا” التي وردت في سورة الأنعام.، وتحديداً في سياق الحديث عن الغذائية التي فُرضت على بني  عقوىةً لهم. في هذا الموضوع، سنغوص في أعماق هذه الكلمة لنستكشف دلالاتها اللغوية، وتفسيرها عند السلف، والحكمة الشىرعية المرتبطة بها.

 

مقالات ذات صلة

أولاً: السياق القرآني للكلمة

وردت كلمة “الحوايا” مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الأنعام:

{وَعَلَى الَّذِينَ

هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (الأنعام: 146).

الآية تتحدث عن تشديدات شىرعية خاصة ببني (اليهود)، حيث حرم الله عليهم أنواعاً محددة من الشحوم واللحوم التي كانت حلالاً في الأصل، وذلك بسبب بغيهم وظىلمهم.

ثانياً: الدلالة اللغوية (أصل الكلمة)

لفهم المعنى الدقيق، يجب العودة إلى جذور اللغة العربية:

الجذر اللغوي: كلمة “الحوايا”

مشتقة من المادة الثلاثية (ح و ي)، والتي تدل على الجمع والضم والاستدارة. يقال: “حوى الشيء” أي جمعه وضمھ إليه وأحاط به. ومنه “الحاوية” وهي الوعاء الذي يضم ما بداخله.

المفرد والجمع: “الحوايا” جمع، وقد اختلف اللغويون في مفردها على عدة أقوال، أشهرها:

حاوِية: (على وزن فاعلة).

حاوِيَاء: (على وزن فاعلاء)، مثل قاصعاء وقواصع.

حَوِيَّة: (على وزن فعيلة)، مثل سفينة وسفائن.

المعنى الحسي: سميت الحوايا بهذا الاسم لأنها تحوي ما في البطن من طعام وضلات، ولأنها تلتف وتستدير حول بعضها البعض (الاستدارة والتحوّي).

ثالثاً: التفسير الشىرعي لـ “الحوايا”

عند العودة إلى أقوال أئمة التفسير من الصحابة والتابعين، نجد أنهم حددوا المعنى لهذه الكلمة بدقة:

تفسير ابن عباس (حبر الأمة): قال إن الحوايا هي “المبعر” (موضع البعرة)، ويقصد بذلك الأمعاء والمصارين التي يتردد فيها الروث والفضلات.

تفسير قتادة ومجاهد: ذهبوا إلى أنها “بنات اللبن” أو ما يسمى بـ “المصارين” التي يجتمع فيها الطعام.

الوصف الدقيق: الحوايا هي الأمعاء (الدقيقة والغليظة) التي تلتف في تجويف البطن، وتكون محاطة بطبقات من الشحم.

رابعاً: الحكم الفقهي في الآية (الاستثناء والتحريم)

لفهم موقع “الحوايا” من

الحكم الشىرعي في الآية، يجب تفكيك بنية الاستثناء الذي ورد فيها:

الله تعالى حىرّم على اليهود شحوم البقر والغنم (الشحم الخالص مثل شحم الكلى والمنديل). ولكنه استثنى من هذا التحىريم ثلاثة أنواع من الشحوم جعلها حلالاً لهم أو عفا عنها، وهي:

ما حملت ظهورهما: أي الشحم الملتصق بالظهر (اللحم الأحمر المختلط بالدهن).

أو الحوايا: وهنا مربط الفرس. أي أن الشحم المحيط بالحوايا (الأمعاء) أو الذي تحمله الحوايا كان مستثنى من التحىريم، فهو حلال لهم، أو (على رأي آخر) أن الحوايا نفسها بما فيها من دسم كانت مستثناة.

أو ما اختلط بعظم: مثل شحم الألية (الذيل) أو المخ، لأنه

لا ينفصل عن العظم بسهولة.

إذن، “الحوايا” هنا جاءت في سياق الاستثناء، أي أنها الجزء الذي لم يشمله التحىريم المغلظ الذي وقع على شحوم الكشحين (الخاصرتين) والكلى.

خامساً: الحكمة من ذكر الحوايا والتحريم

قد يتساءل القارئ: لماذا هذا التفصيل الدقيق في ذكر “الحوايا”؟

بيان العقۏبة: التحريم لم يكن لضرر طبي في الشحوم ذاتها (كما هو الحال في )، بل كان عقۏبة تأديبية. قال تعالى: {ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ}. لقد حرم الله عليهم أطيب أجزاء الذبيحة (الشحوم الخالصة) وترك لهم الشحوم التي

يصعب فصلها (مثل شحم الحوايا والظهر والعظم) ليعرفوا قيمة النعمة التي كفروا بها.

الإعجاز الوصفي: استخدام كلمة “الحوايا” يصور بدقة الشكل للأمعاء المتداخلة والملتفة التي “تحوي” الغذاء، وهو وصف دقيق يتطابق مع المشاهدة العينية الطبي.

الرد على اليهود: الآية نزلت لتدحض مزاعم اليهود الذين ادعوا أن (يعقوب عليه السلام) هو من حىرم هذه الأشياء على نفسه فتبعوه، فبين الله أن التحىريم كان عقۏبة إلهية لاحقة بسبب ذنوبهم، وفصل لهم بدقة ما حُىرّم وما أُحل (بما في ذلك الحوايا) لإقامة الحجة

عليهم.

الخلاصة

كلمة “الحوايا” في القرآن الكريم تعني الأمعاء والمصارين التي تستدير في البطن وتحوي الطعام. وقد ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام لتوضيح حدود التحريم الذي فرضه على بني إسرائيل، حيث استثنى الشحوم المرتبطة بهذه الأمعاء من التحىريم العام للشحوم. تُظهر هذه الكلمة دقة اللفظ القرآني في الوصف ، وتكشف جانباً من التاريخ التشريعي للأمم السابقة، مبينةً كيف أن الأحكام الشىرعية قد تتغير تشديداً أو تخفيفاً بناءً على أحوال الناس وأعمالهم، قبل أن تستقر الشريعة الإسلامية الخاتمة على تحليل الطيبات وتحىريم الخباىث رحمةً للعالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى