عام

ما لـم يقله الاحياء.. حكايات اسما السيد حصري

وهما بيغسلوها جسـ,ـمها كله بقى ينزل نمل.. كل ما يغسلوها ويخلصوا ويجوا يلبسـ,ـوها الكفـ,ـن يلاقوا فى نمل… احتاروا فى امرها والكل خاف ومش من كثر النمل اللى ليظهر لعد ما جابوا مغسله عجوز اللى قالت حاجه صدمت الكل.. صلى على محمد واسمع منى … ٢٩؟ لم يكن اسمها يذكر في القرية إلا همسًا لأن بعض الأسماء لا تقال بصوت عال خوقا من أن تستدعى معها ذاكرتها اللقيلة وكانت هى واحدة من تلك الأسماء التى التصق بها الاتهام حتى صار حقيقة لا يناقشها أحد

امرأة عاشت سنوات طويلة والناس يشيحون بوجوههم عنها ويقولون إنها كانت تخطف الأطفال وتسرقهم من أحضان أمهاتهم وتحرق قلوب أهاليهم عليهم ثم تختفى بهم فلا يعود منهم أحد ولا يعرف أحد أين انتهت أقدارهم. كبرت الحكاية مع الزمن وتضخمت وصلحت تروى للصغار لتخويفهم وصار مرورها في الطريق سببا كافيًا لأن تُغلق الأبواب وأن يُسحب الأطفال إلى الداخل لأن الشر حين يتجذر لا يحتاج دليلا بل يكفيه التكرار عاشت وحدها فى بيت قديم على أطراق القرية بيت لا يزوره أحد ولا تخرج منه إلا قليلًا وكانت تمشى منحنية الظهر لا من الكبر فقط بل من ثقل النظرات التى تلاحقها وكلما مات طفل فى

القرية أو اختفى رضيع فى قرية مجاورة كان اسمها يعود إلى الألسن كأنه جواب جاهز لكل لغز لا يريد أحد أن يتعب نفسه فى حله. لم تدافع عن نفسها يومّا ولم تصرخ ولم تحاول أن تبرر وكأن الصمت كان عقويتها التى قبلتها دون محاكمة وكأنها اختارت أن تحمل الذنب كله وحدها حتى لو لم يكن كله لها. وفى بيتها كان يعيش صبى وحيد لا يشبهها في الملامع ولا في الطباع صبى ربته منذ كان رضيعًا وأقسمت أمام الجميع أنه ابنها وأنه قطعة من روحها ورغم أن الناس لم يصدقوا تمامًا إلا أنهم صمتوا

لأن الطفل كان موجودًا يكبر أمام أعينهم وكان وجوده دليلًا ماديًا لا يُناقَش كبر الصبى وهو يسمع الهمس ويشعر بالعيون ويعود إلى البيت محملًا بأسئلة لا يملك لها إجابة وكان كلما سألها عن أبيه كانت تبتسم ابتسامة موجعة وتقول أبوك رحل ولا تريد له أن يعود وكأنها تغلق بابّا لا تريد فتحه أبدًا. مرت السنوات وكبر الصبى وصارت له ملامع رجولة مبكرة بينما كانت هي تذبل بسرعة غير طبيعية كأن الزمن يأخذ منها أكثر مما يعطى وحين اشتد عليها المرض فى آخر عمرها لم يدخل بيتها طبيب ولم تقف على بابها امرأة سوى جارة عجوز كانت تأتى أحياتا بدافع الشفقة لا أكثر. وحين ماتت لم يبكها أحد ولم يخرج فى

جنازتها إلا القليل لأن القلوب كانت قد أغلقت حسابها معها منذ زمن وحين خملت إلى الغسل كان الخوف حاضرًا أكثر من الحزن لأن الناس كانت تنتظر علامة ما تؤكد أن الشر الذي عاشوا يخشونه كان حقيقا وحين بدأ الغسل ظهر النمل. خرج النمل من جسدها بكثرة أربكت الجميع نمل أسود صغير يفيض من تحت الجلد لا من الأرض وكلما غسلوها عاد وكلما حاولوا تكفينها ظهر من جديد حتى فرّ معظم من فى المكان لأن الرعب حين يجد ما يغذيه لا يتأخر. قالوا هذه علامة. قالوا هذا جزاء من خطفت الأطفال. قالوا الحق لا يضيع. وجاءوا بالمغسلة العجوز التى لا تخاف لآن من اعتاد رؤبة الموـ,ـت لا تدهـ,ـشه علاماته جلست أمام الجسد طويلًا ثم قالت بهدوء لا يشبه اتهامهم. هذه ليست علامة ذنب كما تظنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى