عام

قصة المليونير

كان المليونير على بعد ثوانٍ من الوقوع في الفخ الذي نُصب له بعناية… لولا أن ابن الخدامة همس له بكلمتين غيّرتا كل شيء. “ما تتحركش… وتعالى ورايا.” كان صوت الولد واطياً جداً، بالكاد أعلى من صوت الهواء وهو يحرك شجر الورد في الجنينة. لكن تلك الكلمات جعلت كريم المنشاوي يتجمد في مكانه في منتصف الممر المؤدي للفيلا. كان واقفاً تحت شمس الصباح، في يده حقيبة جلدية تحوي أوراق عمله، وفي اليد الأخرى هاتفه المليء بالرسائل التي لم يقرأها بعد.

 

كانت كل الأمور تبدو طبيعية؛ النافورة تعمل، الجنينة مهندمة، والعربية السوداء تنتظره عند البوابة والسواق بانتظاره في الثامنة والنصف كعادته كل يوم. ولكن، خرج ولد صغير يرتدي قميصاً أزرق باهتاً من بين الشجر، وأمسك بكم قميصه بيد ترتجف.

نظر إليه كريم باستغراب. كان الولد في العاشرة من عمره، رفيعاً، شعره أسود وحذاؤه مهلوك من كثرة الاستعمال. تذكره كريم بصعوبة؛ إنه “يوسف”، ابن أمينة الخدامة التي تعمل لديهم منذ سنوات. شاهده كثيراً في الجنينة، لكنه لم يفكر يوماً في سؤاله عن اسمه.

قال له كريم: “إنت قلت إيه؟”. بلع الولد ريقه وقال: “ما تتحركش… أرجوك يا باشا. تعالى ورايا وما تخليش الراجل اللي عند البوابة يشوفك”.

الفصل الثاني: الحقيقة المرة

نظر كريم ناحية العربية، وكان السواق لا يرفع عينه، فقال: “أنا متأخر على اجتماع مهم”. فاقترب يوسف أكثر وهمس: “لو ركبت العربية دي… مش هترجع تاني”.

نزلت الجملة على كريم كأنها قطعة ثلج. كان رجل أعمال معروفاً بنى شركته من الصفر، واجه مخاطر جمة، ولم يكن من النوع الذي يخاف من كلام طفل، لكن نظرة يوسف لم تكن نظرة ولد يمزح، بل كانت نظرة شخص لم يذق طعم النوم.

سأله كريم بهدوء: “إنت تعرف إيه؟”. نظر يوسف ناحية الفيلا بسرعة ثم عاد ليخبره: “سمعتهم امبارح بالليل”. وعندما سأله كريم عن هوية من سمعهم، قال يوسف: “هانم… ومدام رانيا”.

في تلك اللحظة، شعر كريم أن قلبه توقف لثانية كاملة، لكن ملامحه ظلت ثابتة. أكمل يوسف: “كانوا بيتكلموا في الجنينة. قالوا إن السواق اتغير. وقالوا إن نص الفلوس اتدفعت والباقي هيتدفع بعد ما كل حاجة تخلص”.

أصبحت الدنيا صامتة تماماً في أذني كريم. نظر ناحية البوابة مرة أخرى، ولأول مرة لاحظ التفاصيل؛ السواق الحقيقي “عم سعيد” كان دائماً يرتدي خاتم فضة في يده الشمال، أما هذا الرجل فلا يرتدي أي خاتم. لقد أدرك كريم الحقيقة: يوسف لم يكن يتخيل.

الفصل الثالث: الأدلة القاطعة

لفّ كريم ويوسف من خلف الفيلا حتى اختفيا وراء صف شجر طويل. نزل كريم لمستوى يوسف وقال: “احكي لي كل اللي سمعته… من الأول”.

أخذ يوسف نفساً عميقاً وقال: “كنت نازل أشرب مية بالليل. لقيت باب الجنينة مفتوح شوية. سمعت مدام رانيا بتقول: كل حاجة جاهزة للصبح. كريم هيركب العربية زي كل يوم”. ثم أخرج من جيبه هاتفاً قديماً بشاشة مكسورة وقال: “أنا سجلت الكلام”.

أخذ كريم الهاتف وضغط على زر التشغيل. ظهر صوت زوجته رانيا بوضوح: “لازم كل حاجة تبان طبيعية. يركب العربية بنفسه”. ثم صوت رجل غريب: “بعد الملف عند الطريق الصحراوي… الباقي هيتم”. ليعود صوت رانيا: “التأمين هيصرف بعد الوفاة بسبع شهور. وكل الأملاك والأسهم هتبقى باسمي”.

في تلك اللحظة، شعر كريم أن حياته كلها كانت كذبة كبيرة. أوقف التسجيل ونظر ناحية البوابة، فوجد السواق المزيف يبحث بعينيه عن شيء أو عن شخص. أخرج كريم هاتفه بسرعة واتصل بمحاميه القديم وقال بصرامة: “أنا مش رايح الاجتماع النهاردة”.

زر الذهاب إلى الأعلى