عام

أمانه إبني حكايات أنجي الخطيبv

شفت مرات ابني وهي بتركن عربيتها على شط الترعة، وبتحدف شنطة سفر تقيلة جوه المية. ولما شدّيتها بصعوبة من وسط الطين، سمعت صوت “تنهيدة” ضعيفة جاية من جوه.. ولما فتحتها، قلبي وقف من اللي شفته.
“الشنطة دي ما وقعتش في الترعة صدفة، دي كانت عايزة تغرق اللي جواها عشان مفيش حد يسمع صوته.”
ده كان أول خاطر جيه في بالي لما شفت **”مروة”** وهي بتنزل من عربيتها الملاكي قدام بيتي البسيط اللي بيبص على ترعة كبيرة في أطراف البلد. كنت قاعدة في جنينة البيت بشرب كوباية شاي وبصيت لقيتها داخلة بالسرعة دي ومغيرة لون الدنيا تراب وراها.

من ساعة ما ابني **”جمال”** مــ,ـات من تمن شهور، ومروة مابقتش تظهر خالص، ولو جت، بتيجي عشان ورقة عايزة تمضيها، أو فلوس بتقول إن “جمال كان وعدها بيها”. لا كانت بتيجي تدعيله، ولا حتى تسأل عليا. كان عندي 64 سنة، واسمي **”عطيات”**، واتعلمت أبلع وجعي لوحدي.
بس بعد الظهر ده، مروة ماكانتش زي الأرملة المكسورة. كانت زي واحدة خايفة من خيالها.
نزلت من العربية وبسرعة البرق شدّت شنطة سفر كبيرة من الشنطة الخلفية. عرفتها علطول.. دي الشنطة اللي ابني جمال جابها لها هدية في جوازهم.

جرت بيها ناحية المية، وكانت بتبص حواليها كأنها خايفة حد يكون شايفها.
* “يا مروة!” صرخت فيها من مكاني.
ما التفتتش وراها.
شفتها وهي بتشيل الشنطة بكل قوتها، وترميها في المية.
الصوت اللي عملته الشنطة ماكانش صوت حاجة فاضية. صوت خبطة تقيلة.. مكتومة.. وتوجع القلب.
فضلت الشنطة عايمة ثواني، وبعدها بدأت تغطس.
مروة ركبت عربيتها، خبطت الباب بقوة، ومشت من غير ما تبص وراها مرة تانية.
ماعرفش القوة دي جت منين.. سيبت كوباية الشاي، وجريت زي ما أكون رجعت شابة، نزلت السلالم وقطعت الجنينة وطلعت على الشط. ركبي كانت بتوجعني، ونفسي مقطوع، والطين كان بيشد رجلي، بس في حاجة جوايا كانت بتصرخ إني لازم أنقذ اللي جوه الشنطة.

نزلت المية بهدومي، والمية كانت تلاجة والطين بيحاول يمسك في رجلي كأنه عايز يسحبني معاه. لما لمست يد الشنطة، حسيت إنها أتقل بكتير مما تخيلت.
سحبت بكل اللي فيا، ولما طلعتها على البر، كنت برتعش.
وهنا سمعت الصوت.. صوت ضعيف جداً.. بيشبه الأنين.. زي نَفَس مكتوم بيصارع الحياة.
إيديا كانت بترعش لدرجة إني مش عارفة أفتح السوستة. ولما اتفتحت، الدنيا كلها لفت بيا.
جوه الشنطة، ملفوف في بطانية زرقاء مبلولة، كان فيه مولود جديد.
كان أزرق من البرد، وتلج، ومكتم. والحبل السري مربوط بخيط خياطة عادي، كأنه اتولد في السر، من غير دكاترة، من غير مستشفى، ومن غير روح تستقبله بالحب.
“لا.. لا يا رب!” فضلت أتمتم وأنا بضمه لصدري.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى