
حتى صوت أجهزة التكييف، الذي كنت أسمعه دائمًا كخلفية باهتة لا ينتبه إليها أحد، صار في تلك اللحظة واضحًا على نحو مزعج، كأن القاعة تحاول أن تملأ فراغ الصمت بشيء ما.
ثم رفع القاضي روبنسون نظره أولًا إلى جيمس، ثم إليّ، ثم إلى الملف الموضوع أمامه.
-
سعر الذهب اليوم في مصرمنذ يومين
-
سعر الذهبمنذ 3 أيام
-
سعر الذهب اليوممنذ 6 أيام
-
سعر الذهب اليوممنذ 6 أيام
وقال بصوت هادئ،
مختلف تمامًا عن صوته الجاف الذي كان يملأ القاعة قبل دقائق
لقد أمضيتُ سنوات طويلة في هذه المنصة، وقرأت آلاف الملفات، وسمعت آلاف الأعذار. وأكثر ما يرهق القاضي مع مرور الوقت ليس كثرة الجـ،ـرائم بل كثرة القصص التي تأتي متأخرة، بعد أن يكون الإنسان قد سقـ،ـط بالفعل.
بلع جيمس ريقه، لكنه لم يرفع عينيه.
أكمل القاضي
القانون وُجد ليحفظ النظام، لكنه لا يطلب منا أن نتخلى عن إنسانيتنا.
ثم نظر إلى المدعي العام وقال
هل لدى الادعاء ما يثبت أن المتهم ارتكـ،ـب عـ،ـنفًا، أو اعتدى على أحد، أو حاول الهرب، أو باع ما سرقه؟
تردد المدعي لحظة، ثم قال
لا يا حضرة القاضي. المتهم تعاون مع الشرطة عند القبض عليه، والبضاعة استعيدت كاملة تقريبًا.
أومأ القاضي برأسه.
ثم سأل
هل لديه سوابق عـ،ـنيفة؟
فتح المدعي الملف بسرعة، وقلب بعض الأوراق، ثم قال
لا سوابق عـ،ـنيفة. توجد مخـ،ـالفات قديمة، وتشرد، وبعض المخـ،ـالفات المتعلقة بالسكر في أماكن عامة قبل سنوات كثيرة، لكن لا توجد جـ،ـرائم اعتـ،ـداء.
ساد الصمت مرة أخرى.
وضع القاضي يديه فوق المكتب، ثم قال ببطء شديد
إذن نحن أمام رجل عجوز، مريض الروح، محطم الحياة، سرق دواءً لامرأة تصارع المرض بعد أن أمضى حياته كلها هاربًا من لم يغادرها قط.
رفع جيمس رأسه لأول مرة.
كانت عيناه حمراوين، متعبتين، وفيهما شيء أقرب إلى الذهول.
كأنه لم يكن معتادًا أن يتحدث عنه أحد بهذه الطريقة.
ثم قال القاضي الجملة التي غيّرت كل شيء
تُؤجل المحكمة إصدار الحكم. ويُحال السيد جيمس باترسون إلى برنامج المراقبة العلاجية والخدمة المجتمعية، بدلًا من الحبس. كما تأمر المحكمة بإخطار الخدمات الاجتماعية القدامى للنظر فورًا في وضعه ووضع زوجته الصحي.
لم أفهم في البداية ما سمعته.
بدا لي الأمر أكبر من أن تستوعبه أذناي بسرعة.
لكن القاعة فهمت.
انتشر همس خافت، ثم شهقات صغيرة، ثم ساد الصمت مرة أخرى حين رفع القاضي يده.
أضاف بصوت أكثر حزمًا
وأقول هذا بوضوح المحكمة لا تكافئ السرقة. لكنها أيضًا لا تعاقب البؤس كما لو كان شرًا خالصًا.
ثم نظر مباشرة إلى جيمس وقال
لقد أخطأت، يا سيد باترسون. ولكن يبدو أنك تدفع ثمن أخطائك منذ زمن طويل.
انفرجت شفتا جيمس، لكنه لم يجد كلمات يقولها.
كان يبكي بصمت.
ثم التفت القاضي نحوي، وقال
أما أنت، أيها الضابط جونسون فأقترح عليك أن تجلس لبضع دقائق. لست في حالة تسمح لك بالوقوف كأن شيئًا لم يحدث.
ضحك بعض الحاضرين ضحكة قصيرة مرتبكة، ذلك النوع من الضحك الذي يخرج من الناس عندما يكونون على حافة البكاء. وأنا فعلًا شعرت بأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي. تراجعت خطوة إلى الخلف، وتمسكت بحافة المقعد الخشبي القريب مني.
لم أكن أصدق ما جرى.
دخلتُ المحكمة في ذلك الصباح وأنا أحمل داخلي نفس الفراغ الذي حملته طوال حياتي صورة لرجل لم أعرفه، ووسام في صندوق قديم، وبعض كلمات مبعثرة كانت أمي تقولها عن شجاعته كلما سألتها عنه.
وخلال أقل من عشر دقائق صار لذلك الفراغ صوت.
وصار له شاهد.
وصار له اسم آخر غير الشهيد.
صار أبي فجأة إنسانًا من لحم ود.م رجلًا خاف على صديقه، وفكر في أطفاله، وركض رغم الخـ،ـطر، ومـ،ـات وهو ينقذ غيره.
لا أعرف كم مر من الوقت بعدها.
ربما دقائق.
ربما عمر كامل.
كل ما أتذكره أن القاضي أنهى الجلسة، وأن الموظفين بدؤوا يتحركون من جديد، وأن الناس خرجوا ببطء كما لو أنهم لا يريدون كسر قدسية تلك اللحظة. بعضهم كان ينظر نحوي، وبعضهم ينظر إلى جيمس، وبعضهم يهز رأسه فقط في صمت.
اقترب مني المدعي العام.
كان رجلاً أعرفه منذ سنوات، صارمًا، قليل الابتسام، ولا يحب أن تختلط العاطفة بالقانون. لكنه في تلك اللحظة بدا مختلفًا.
قال بصوت منخفض
أنا
لم أكن أعرف.
أجبته وأنا لا أزال أحدق في الفراغ
ولا أنا.
هز رأسه، ثم نظر إلى جيمس وقال
سأتحدث مع أحد معارفي في قسم المحاربين القدامى. ربما نستطيع تسريع الإجراءات.
نظرت إليه بدهشة خفيفة.
قال كمن يبرر لنفسه أكثر مما يبرر لي
الرجل يحتاج مساعدة أكثر مما يحتاج زنزانة.
ثم ابتعد.
أما جيمس فظل واقفًا في مكانه، كأنه لا يعرف هل يصدق ما حدث أم لا. اقتربت منه ببطء. لم أعد أراه كمتهم. ولم أعد أرى نفسي كحارس قضائي فحسب.
وقفت أمامه.
رفع رأسه نحوي.
كان وجهه غـ،ـارقًا في الدموع، وعيناه فيهما ذلك الانكـ،ـسار الذي لا يصنعه يوم واحد، بل تصنعه حياة كاملة من السـ،ـقوط.
قال بصوت مرتعـ،ـش
لم أطلب منه أن يفعل ذلك.
أجبته بصوت هادئ
أعرف.
هز رأسه بعنـ،ـف، وكأنه يريد أن يطرد الفكرة من داخله.
أقسم لك لم أطلب منه. صرخ في وجهي أن أنخفض، لكنني كنت متجمدًا. لم أتحرك. كان بإمكانه أن يتركني. كان بإمكانه أن ينجو لكنه عاد.
شعرت بحرارة الدموع خلف عيني من جديد.
قلت
هذا ما كان عليه، إذن.
نظر إليّ وكأنه لم يفهم.
أكملت
هذا هو الرجل الذي كنت أبحث عنه طوال حياتي ولم أعرفه.
اهتز فكه قليلًا.
ثم قال
كنت أريد أن أزور أمك. مرات كثيرة. بعد مباشرة. كتبت رسالة ثم مزقتها. كتبت أخرى ومـ،ـزقتها أيضًا. كنت أقول لنفسي ماذا سأقول لها؟ إن زوجها مـ،ـات من أجلي؟ إنني عدت وهو لم يعد؟
خفض رأسه.







