منوعات

في عيد ميلادي الـ69 أهداني شوكولاتة فاخرة… وبعد يوم واحد انكشفت الحقيقة المرعبة! الثلاثاء 13

حاول ابني نفسه أن ينهيني بعلبة شوكولاتة فاخرة مصنوعة يدويا. وأنا في فعل أخير من التضحية الأمومية البريئة وغير المقصودة أنقذت حياتي حين جعلت زوجة ابني وأحفادي يأخذونها بدلا مني. إنها جملة حتى الآن بعد عشر سنوات ما زال طعمها في فمي كالرماد. حقيقة وحشية إلى حد أنها لا تزال تبدو كأنها شظية زجاج عالقة في ذاكرتي.

بدأ الأمر في صباح خريفي بارد على نحو خادع الجمال صباح عيد ميلادي التاسع والستين. أتذكر كيف تسلل ضوء الخريف عبر ستائر الدانتيل المتربة في بيتي القديم شمال ولاية نيويورك بيت صار كبيرا أكثر مما يلزم وصامتا أكثر مما يحتمل منذ أن رحل زوجي ريتشارد. طوال أربعين عاما ضحيت بكل شيء من أجل توماس شبابي أحلامي مدخراتي كل ذلك وضعته قربانا لراحته. كنت قد تبنيته حين كان طفلا في الثانية من عمره مذعورا بعينين خاليتين يتيما بعد حادث سير قاس أودى بوالديه البيولوجيين. منحته اسمي وحبي غير المشروط وحياتي كلها. بنيت عالمي حوله وفي المقابل نسيت أن أبني عالما لنفسي.

مقالات ذات صلة

لكن في ذلك الثلاثاء الهادئ جاء ساع بزي أنيق يحمل طردا بدا وكأنه وعد متأخر بمقابل طال انتظاره لذلك الاستثمار العمري.

كانت العلبة مدهشة عملا فنيا بحد ذاته. مغلفة بمخمل أزرق عميق بلون الياقوت ومربوطة بشريط

 

 

حريري ثقيل بلون العاج. في الداخل داخل أكواب ورقية صغيرة متموجة استقرت اثنتا عشرة قطعة شوكولاتة لا تبدو طعاما بقدر ما تبدو مجوهرات صالحة للأكل مرشوشة بورق ذهبي لامع ومشكلة على هيئة أشكال هندسية دقيقة تكاد تكون مستحيلة. أما البطاقة المخبأة تحت الشريط فقد كتبت بخط مائل أعرفه أكثر من معرفتي لخطي إلى أفضل أم في العالم بكل حبي توماس.

تأثرت بعمق حتى لسعت الدموع زوايا عيني. كان قد مر شهور وربما عام كامل منذ أن تلقيت منه بادرة حنان كهذه. منذ أن تزوج لورا المرأة التي ظننتها في البداية لطيفة هادئة ثم ما لبثت تحت تأثير توماس الخفيأن أصبحت بعيدة باردة تغير كل شيء. كان يقول لي بتنهيدة متعبة أمي لورا ترى أنك تتدخلين كثيرا أنا رجل بالغ ويجب ألا أظل أستجيب لكل ما تريدين. توماس توماس الذي رعيته في الحمى ووقفت معه في جراح المراهقة كان يبتعد ببطء منهجي. صارت الزيارات أقل والمكالمات أبرد والعناق سريعا بلا دفء.

لذلك وأنا أمسك تلك العلبة الجميلة غير المتوقعة شعرت باندفاع خطير من الأمل. ربما تذكر. ربما لم ينكسر الرابط القديم تماما بل فقط توتر.

كانت الشوكولاتة تبدو فاخرة إلى حد مغو. وكان شعار المصنع مطبوعا داخل الغطاء شوكولاتيه دي لكسيلانس ذلك الاسم المتكلف الذي يبيع

 

قطعة واحدة بثمن أسبوع من الأجور. لكن حين رفعت قطعة هرما صغيرا من الشوكولاتة الداكنة نحو فمي استيقظت داخلي تلك العادة القديمة التي تشكلت على مدى أربعين عاما غريزة الأم التي تحرم نفسها لأجل الأبناء حتى بعد أن يكبروا. قلت في نفسي هذه أطيب وأغلى من أن تأكلها عجوز وحدها. لورا والأطفال سيستمتعون بها أكثر مني.

كان حفيداي آن وتشارلز نقطة ضعفي آخر صلة غير ملوثة بابني. رغم التوتر الدائم مع والديهما كنت أعشق هذين الطفلين بحب شرس وبسيط. كانا الامتداد الحي لتوماس الذي عرفته يوما والشيء النقي الوحيد في علاقة أصبحت سامة على نحو غريب.

أعدت لف العلبة بعناية وربطت الشريط على هيئة عقدة متقنة. كانت يداي اللتان اعتادتا الارتجاف مع العمر ثابتتين على غير العادة. كنت في مهمة حب. قدت السيارة مسافة قصيرة مألوفة إلى منزل توماس الفخم المتباهي منزل كبير أكثر مما يحتاجه أربعة أشخاص وكنت أعرف أنه عبء مالي دائم عليهم.

فتحت لورا الباب. كان ابتسامها رقيقا هشا لا يصل إلى عينيها مطلقا قناع مجاملة مشدود فوق احتقار دفين. قالت بنبرة تحمل ذلك النوع من التعالي الخاص الذي يمنح لأقارب غير مرغوب فيهم

مرحبا يا دوروثي. ما الذي جاء بك

قلت ببهجة وأنا أقدم العلبة أرسل توماس هذه الشوكولاتة

 

لي بمناسبة عيد ميلادي لكنها غنية جدا على امرأة مسنة مثلي. أحببت أن أشارككم بها أنت والأطفال. أنت تعرفين كم يحب تشارلز الحلويات.

لجزء من الثانية اهتز قناعها. لمحت في عينيها وميضا سريعا ارتباكا أو شكا ثم اختفى وعادت إلى برودها المعتاد. أخذت العلبة وقالت لفتة لطيفة. أنا متأكدة أن الأطفال سيفرحون.

لم تدعني للدخول. لم تفعل ذلك منذ زمن. تمتمت بالأعذار المعتادة الأطفال نائمون البيت غير مرتب وعدت إلى سيارتي بقلب أثقل قليلا وجرح الرفض القديم يلسعني لكنني كنت راضية لأنني فعلت فعلا طيبا بلا مقابل.

في صباح اليوم التالي رن الهاتف تمام السابعة رنينه الحاد أيقظني من نوم خفيف. كان توماس.

قال أمي. كان صوته مشدودا يرتجف بتوتر غريب لم أفهمه فورا. كيف كانت الشوكولاتة

كان سؤالا غريبا كأنه نطق قسرا. توماس عادة ينسى الهدايا ما إن يسلمها.

قلت بمرح وأنا أصب القهوة وضوء الصباح يملأ المطبخ يا توماس يا عزيزي كانت جميلة جدا على أن تؤكل وحدي. أعطيتها للورا والأطفال. أنت تعرف كم يحب الصغير تشارلز الحلويات.

الصمت الذي تلا كلامي لم يكن مجرد هدوء بل فراغ مخيف كأنه شفط الهواء كله من الغرفة. سمعت وشوشة بسيطة في الخط وتحتها أنفاسا ثقيلة متقطعة على الطرف الآخر.

ثم انفجر.

فعلت

 

ماذا!

كانت صرخته بدائية وحشية. لم تكن صرخة غضب بل صرخة رجل يرى حياته وخططه تتفتت في لحظة واحدة.

قلت وأنا أرتجف وقد تحول الارتباك إلى خوف أعطيتها للورا والأطفال توماس هل أنت بخير ما الأمر

ارتفع صوته أكثر وانكسر هلعا أنت مجنونة! غبية! عجوز خرفاء! هل أكلت منها شيئا هل لمستها هل أكل الأطفال منها أجيبي!

قلت بسرعة لا لم آكل فقط أوصلتها لهم.

صرخ لماذا لا تستطيعين أبدا أن تحتفظي بشيء لنفسك لماذا دائما تتقمصين دور الشهيدة القديسة!

ثم أغلق الخط. كان صوت الإغلاق كطلقة في مطبخي الصامت. وقفت والهاتف في يدي وقلبي يدق بعنف. غريزة الأم قوة قديمة لا تحتاج دليلا كي تعمل. وفي ذلك الصمت بدأت حقيقة مرعبة تتفتح في داخلي كالحبر الأسود في كأس ماء صاف.

لم يكن يخشى أنني أعطيت هديته كان مرعوبا أن زوجته وأطفاله أكلوها.

بعد ساعتين اتصلت لورا. كانت تبكي كلماتها متكسرة.

دوروثي الأطفال نحن في المستشفى مستشفى جامعة ستاتن آيلاند.

تجمد دمي في عروقي. قلت ماذا حدث لورا اهدئي ماذا حدث

قالت وهي تختنق بالبكاء الأطباء يقولون إنه تسمم تسمم شديد ربما مادة كيميائية لقد أكلوا الشوكولاتة التي أحضرتها قال تشارلز إن طعمها كان غريبا كأنه معدني لكنهم أكلوا ثلاث قطع قبل أن ننتبه.

اختل العالم في عيني. قطع الصورة

التي كانت متفرقة في ذهني ارتطمت ببعضها بعنف الهدية المفاجئة الباهظة مكالمته الملحة الغريبة صمته المريع هلعه الحيواني أسئلته المحمومة عما إذا كنت قد أكلت منها.

لم يرسل ابني هدية عيد ميلاد بل أرسل أمرا بقتلي ملفوفا بمخمل ورباط حرير.

كانت الأيام الثلاثة التالية كابوسا حيا ممرات مستشفى بيضاء معقمة أجهزة تراقب نبض الأطفال ورائحة خوف. وبفضل الله نجوا. مرضوا بشدة لكن الكمية التي وصلت إليهم لم تكن كافية لقتلهم لكنها كانت كافية لتترك أثرا.

جاءت لورا إلي في غرفة انتظار باردة في اليوم الثالث. كان وجهها شاحبا منهكا بلا مساحيق ولا أقنعة كأنها تحطمت. قالت بصوت مرتجف وعينين مليئتين بفهم مرعب مشترك

دوروثي تقرير السموم ظهر. وجدوا زرنيخا كمية كبيرة ليست مصادفة.

حدقت في لأول مرة دون احتقار بل برعب كانت تلك الشوكولاتة ليست للمشاركة أليس كذلك كانت لك كل القطع الاثنتا عشرة.

كان توماس قد اختفى. لم يكن في المستشفى يواسي زوجته أو يطمئن على أطفاله. لم يكن في عمله. شركته قالت إنه أخذ إجازة طارئة بسبب أزمة عائلية. لقد هرب وترك زوجته وأطفاله يواجهون نتيجة جريمته الفاشلة.

كنت أعرف أين ذهب. عندما يحاصر توماس كان دائما يركض إلى خالته ناتالي أختي الصغرى. كانت تدلله دائما وتبرر

 

نزواته وتحميه من نتائج أفعاله.

قدت سيارتي إلى منزل ناتالي ويداي تقبضان على المقود حتى ابيضت مفاصلي. أربعون عاما وهذه هي مكافأتي.

فتحت ناتالي الباب وملامح الذنب على وجهها قبل أن أتحدث. قالت دوروثي لم أكن أعلم أنك ستأتين.

قلت بصوت منخفض خشن أين هو يا ناتالي

ترددت هو في المطبخ. إنه مضطرب جدا.

دفعت الباب ودخلت. كان توماس جالسا ورأسه بين يديه. حين رفع رأسه توقعت أن أرى خجلا أو ندما لكنني رأيت نظرة باردة حاقدة كأنه يراني أنا المذنبة.

لم أستطع إلا بكلمة واحدة لماذا

ضحك ضحكة قاسية. قال لأنك عبء يا أمي. دائما كنت عبئا. ثقلا يضغط على عنقي. ولأنني أحتاج المال الآن لا بعد عشرين سنة حين تقررين أخيرا أن تموتي.

قلت مذهولة أي مال

بصق الكلمة الميراث. رأيت أوراقك البنكية عندما أصبت بالإنفلونزا العام الماضي أتذكرين جئت لأساعد. مئتا ألف دولار جالسة في حساب توفير بينما أنا أغرق.

كان ذلك المال خلاصة عقود من التقشف والعمل والصبر. كنت أظنه سيمنحه أمانا في المستقبل.

قال ببرود عندي ديون. ديون حقيقية. ديون قمار. وأنت أنت عجوز. عشت حياتك. ماذا ستفعلين بالمال كان الأمر سيكون سريعا نوبة قلبية في نومك بلا ألم لكنك كان لا بد أن تكوني قديسة وأن تشاركي.

قلت والاشمئزاز يمزقني لقد كدت

 

تقتل أبناءك أنت!

صرخ وهو يضرب الطاولة كان ذلك خطرا محسوبا! لم أتوقع أن تكوني غبية إلى حد أن تعطي علبة شوكولاتة ثمنها مئة دولار! هذا خطؤك أنت لا خطئي!

شهقت ناتالي من الباب توماس كيف تقول ذلك

زمجر اصمتي يا خالتي. أنت تعرفين أنني محق. لقد عاشت عمرها. جاء دوري.

في تلك اللحظة ماتت في داخلي الأم اللينة التي كانت تسامحه وتغفر له. انطفأت. ولدت مكانها امرأة أخرى باردة صلبة.

قلت بهدوء مخيف انتهى الأمر يا توماس.

سخر وماذا ستفعلين تتصلين بالشرطة لن تفعلي. أنت ضعيفة. دائما كنت ضعيفة عن معاقبتي.

وكان محقا كنت ضعفت. كنت أخلط الحب بالخضوع.

قلت وأنا ألتفت للمغادرة أنت محق. كنت ضعيفة. لكن تلك المرأة ماتت اليوم في هذا المطبخ.

صرخ خلفي اهربي كما تشائين! لن تفعلي شيئا! أنت تحتاجينني! لا أحد لديك غيري!

خرجت إلى هواء الخريف البارد. لم أذهب لأبكي. جلست في سيارتي مسحت دموعا حارة غاضبة واتصلت برقم لم أتصل به منذ سنوات.

قلت حين رد محامي العائلة القديم ستانلي ستانلي أنا دوروثي بيترسون. أريد أن أوكلك. وأريد أفضل محقق خاص تعرفه فورا.

ظن توماس أن اللعبة انتهت لأنني خرجت. لم يكن يعلم أن المطاردة بدأت للتو.

لم يكن التحول فوريا لكنه كان كاملا. بينما كان توماس مختبئا في منزل ناتالي

مقتنعا أنني عدت إلى بيتي منهارة كنت أنا أبني ترسانة.

كانت خطوتي الأولى انسحابا رمزيا واستراتيجيا. تركت البيت الذي حمل ذكريات سذاجتي وانهيار علاقتي بابني. ساعدني ستانلي في استئجار شقة بنتهاوس فاخرة في الجانب الشرقي العلوي من مانهاتن. نظرت وكيلة العقارات إلي بشك بسبب ملابسي المتواضعة حتى دفعت عربون ستة أشهر نقدا.

قلت لها بابتسامة جديدة إنه لتقاعدي. قررت أن أتوقف عن الادخار ليوم ممطر العاصفة وصلت بالفعل.

كانت الشقة حصنا من الزجاج والرخام نوافذها تطل على مدينة متلألئة لا تبالي. هناك بدأت أخطط.

قدم لي ستانلي محققا اسمه روبرت شرطيا متقاعدا من نيويورك قاسي الملامح وعنيدا في استخراج الحقائق. بعد أسبوع سلمني تقريرا كان أشد فظاعة مما توقعت.

قال روبرت ابنك مقامر ديونه أكثر من نصف مليون دولار خمسمئة وثلاثون ألفا لأشخاص خطرين. أخذ رهنا ثانيا سرا على البيت دون علم لورا. وأفرغ حسابات تعليم الأطفال بالكامل.

رأيت صورا لتوماس في أماكن قمار معتمة عيناه محمومتان وكأنه ليس فقط مجرما بل طفيليا كان ينهش مستقبل أسرته سرا.

تمتمت هو يظنني ضعيفة يظنني في البيت أبكي.

سألني ستانلي بجدية ماذا تريدين أن نفعله لدينا ما يكفي للذهاب للشرطة الآن.

قلت بحسم لا. الشرطة ستأتي لاحقا في الوقت الذي أختاره. أولا سأنتزع منه كل شيء يظن أنه يملكه.

 

أراد قتلي من أجل المال إذن سيفقد كل سنت يملكه أو حلم يوما بامتلاكه بسببي.

استعنت بخبيرة مظهر اسمها يولاندا. نزعت عني صورة الجدة الرمادية غير المرئية وأظهرت امرأة قوة لم أعرفها. قصت شعري الفضي بشكل أنيق وصبغته بلون دافئ. استبدلت ثيابي الباهتة ببدلات حرير مفصلة وأحذية جلدية فاخرة. نظرت إلى المرآة فلم أعرف نفسي. كان ذلك جيدا هو لن يعرفني أيضا.

بعد شهر من محاولة التسميم ظهرت لأول مرة. عرفت من معلومات روبرت أن توماس سيحاول اصطياد مستثمرين في افتتاح معرض فني حصري. وصلت بسيارة فاخرة مستأجرة ونزلت مرتدية فستانا أسود مخمليا بسيطا شديد الأناقة وأقراطا ألماسية اشتريتها ذلك اليوم دون تردد.

سرت بين الحشود حتى وجدته. كان يتحدث بحماس لزوجين ثريين وعلى جبينه عرق واضح.

قلت مرحبا يا توماس.

استدار ثم تجمد. حدق في بدهشة يحاول جمع صورة الأم المكسورة مع هذه المرأة التي أمامه.

قال بصوت ضعيف أمي ماذا تفعلين هنا

قلت بصوت واضح أستمتع بتقاعدي. قررت أن أصرف ميراثي على نفسي وأنا على قيد الحياة.

نظر الزوجان إلي باهتمام. ابتسمت لهما ثم عدت بعيني إلى توماس تقاعدت من دور الضحية. هو مكلف لكنه يستحق كل قرش.

هرب توماس إلى الحمام تقريبا.

في تلك الليلة بدأت المكالمات المحجوبة تنهال علي ورسائل صوتية

مذعورة منه أمي ردي ما الذي تفعلينه تبدين مختلفة علينا أن نتحدث الآن.

لم أرد. الصمت سلاح وكنت أتعلم استخدامه. وفي اليوم التالي كان لدي موعد غداء مع لورا ومعي ملف قادر على نسف زواج توماس من جذوره.

التقيت لورا في مطعم فاخر كانت تحلم بزيارته. دخلت منهكة كتفيها مثقلان بانهيار حياتها. حين رأتني اتسعت عيناها دهشة دوروثي

قلت اجلسي يا لورا. لدينا عمل.

دفعت الملف الأسود أمامها افتحيه.

ما إن رأت كشوف الحسابات الفارغة والوثائق المزورة وصور الدائنين حتى بدأت تبكي بصمت.

قالت لم أكن أعلم كان يقول إننا نمر بعام صعب لقد سرق كل شيء منا من أطفالنا.

قلت نعم وسنستعيده.

سألت بيأس كيف نحن بلا مال البيت

قلت ببرود البيت عمليا صار للبنك ورجل خطر لكن لدي خطة.

وفجأة دخل توماس المطعم بعينين مشتعلتين. كان يتتبع هاتف لورا.

صاح ما هذا أمي توقفي عن تسميم عقلها ضدي!

قلت بصوت يسمعه من حولنا أنا لست من يستخدم السم يا توماس.

ارتبك. قال للورا تعالي للبيت هي تكذب!

وقفت لورا رغم ارتجافها وحدقت به رأيت السجلات رأيت الرهن بتوقيعي المزور.

قال أستطيع أن أشرح

صرخت لورا وأعرف أمر الزرنيخ! حاولت قتل أمك وكدت تقتل أطفالنا!

تلعثم اخفضي صوتك كان خطأ سوء فهم

قالت بوضوح أنت وحش. سأطلب الطلاق. وسآخذ الأطفال. ولن تراهم

مرة أخرى.

سخر لا تستطيعين أنت بلا مال تحتاجينني.

قلت هي لا تحتاجك يا توماس لديها أنا.

حدق في بحقد لقد دمرت حياتي!

قلت ببرود أنا من منحتك الحياة والآن أستعيد نمط حياتك مني.

بعد يومين جاء الدائنون إلى البيت. اتصلت بي لورا مذعورة وهي مختبئة مع الأطفال. وصلت مع ستانلي وحارسين. تقدمت إلى الرجل الذي بدا قائدهم وقلت وأنا أخرج شيكا مصرفيا ابني مدين لكم بخمسمئة وثلاثين ألفا. هذا المبلغ كاملا.

خرج توماس راكضا بوجه متملق أمي! الحمد لله! كنت أعرف أنك لن تدعيهم يؤذونني!

أخذ الرجل الشيك ثم قلت هناك شرط واحد.

قدمت وثيقة نقل حق الرهن هذا المبلغ يسدد مقابل أن ينقل الرهن على هذا البيت فورا وبشكل حصري إلى لورا.

قال الرجل تم. ووقع.

تجمد توماس ماذا لا! هذا بيتي!

قلت لم يعد. لقد سددت دينك. لورا الآن تملك البيت. ومع وجود أمر إبعاد ضدك أنت متعد منذ هذه اللحظة. وأشرت إلى سيارة الشرطة التي وصلت.

صرخ توماس وهو يقيد لا تستطيعين! أنا ابنك!

قلت بهدوء لا. ابني مات منذ زمن. أنت مجرد استثمار سيئ وأنا أشطبته أخيرا.

اقتيد توماس بلا بيت ولا مال ولا عائلة. بقي له شيء واحد حريته لكنها لم تدم.

انهار تماما وحاول السيطرة على القصة. بدأ يبث عبر الإنترنت اتهامات هستيرية. لكن الناس بدأوا يسألون لماذا هرب حين مرض الأطفال ولماذا توجد سجلات لديونه وتزويره

ثم دعيت إلى مقابلة تلفزيونية. سألوني كيف تشعر أم حين تكتشف أن ابنها حاول قتلها

قلت بثبات أشعر بالتحرر. لأنني أدركت أن تمكين المفترس حتى لو كان ابناليس حبا بل تواطؤ. وقد انتهى تواطئي يوم أكل أحفادي شوكولاتة مسمومة.

انتشر المقطع. فصل توماس من عمله. صار منبوذا. ثم جاءت المحاكمة. كان لدينا تقارير المستشفى وشهادة لورا وتسجيل اعترافه بوسيلة قانونية ضمن الملف. كان في قاعة المحكمة شاحبا مهزوما.

شهدت قال إنني عبء وقال إن تعريض حياة أطفاله كان خطرا محسوبا وقدر موتي بمئتي ألف دولار.

لم تحتج هيئة المحلفين إلا ساعات قليلة.

مذنب محاولة قتل تعريض أطفال للخطر سرقة كبرى احتيال.

 

 

نطقت القاضية بالحكم اثنتا عشرة سنة سجن بلا إفراج مشروط لثماني سنوات على الأقل.

وحين أخذ بعيدا كان يصرخ باسمي طالبا الصفح. لم أشعر بالنشوة شعرت بسكينة عميقة. انتهت العاصفة.

التفت إلى لورا وقلت لنذهب لشراء مثلجات. أعرف مكانا يبيع شوكولاتة ممتازة.

مرت عشر سنوات منذ ذلك اليوم. حياتي اليوم لا تشبه حياتي القديمة الهادئة الوحيدة. لم أختبئ في الظلال. بل استخدمت النار التي أشعلها في داخلي لتدفئة غيري. أسست مؤسسة تعنى بكرامة النساء المسنات تقدم لهن العون القانوني والاستشارات المالية ومأوى آمنا لمن تتعرض للاستغلال من أقرب الناس. أدركت أنني لم أكن وحدي.

تزوجت لورا

لاحقا رجلا طيبا اعتنى بالأطفال كأنهم أبناؤه. درست آن القانون وصار تشارلز فنانا يملأ بيتي لوحات وألوانا. صار منزلي مليئا بالضحك بدل الصمت.

قبل خمس سنوات تقدم توماس بطلب إفراج مشروط. حضرت الجلسة وقلت بإيجاز إن من يحسب موت أمه وأطفاله خطرا لا يعالجه الزمن بل يوقفه مؤقتا. فض طلبه بالإجماع.

ثم جاءني اتصال بالأمس أبلغت أن توماس مات في نومه فشل في القلب موت طبيعي ذلك النوع من الموت الهادئ الذي حاول أن يصنعه لي زورا.

ترك رسالة. أمسكتها طويلا قبل أن أفتحها.

كانت تقول أمي أعلم أنني لا أستحق مغفرتك. لكني أريدك أن تعرفي أن الشيء الوحيد الجيد الذي فعلته في حياتي هو أنني

فشلت في قتلك. لأن العالم أفضل بوجودك. أنا آسف.

لم أبك. طويت الرسالة ووضعتها في درج.

في مساء ذلك اليوم وقفت على شرفة شقتي أراقب أضواء نيويورك تتلألأ كأنها ماس مبعثر فوق مخمل أسود. كان عيد ميلادي التاسع والسبعون.

سكبت كأسا من نبيذ معتق ورفعته نحو القمر.

لقد أراد قتلي ليسرق ثروتي لكنه أجبرني على اكتشاف ثروة نفسي. أراد إسكاتي فوهبني صوتا أنقذ غيري. أراد دفني ولم يدرك أنني بذرة.

ارتشفت من الكأس. كان طعمه حلوا معقدا ويبقى أثره طويلا على اللسان.

همست للريح عيد ميلاد سعيد يا دوروثي لقد حصلت أخيرا على الهدية التي تستحقينها.

ثم عدت إلى دفء بيتي وتركت برد الليل خلفي حرة تماما وأخيرا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى