أخبار

عقوق الأبناء ممصره حكايات اسما

في ليـلة رأس السـنة سمعـت زوجـة ابنـي تقـول ببـرود تام: بعد انتهاء الاجازه سننقلها الي دار رعايه مجهزه ولا داعي لبقائها هنا أكثر ولم تحاول حتى خفض صوتها أو الالتفات إلى وجودي وكأنني قطعة أثاث انتهى عمرها الافتراضي فلم أبكي في تلك اللحظة ولم أجادل بل دخلت غرفتي بهدوء وجمعت أشيائي على عجل وتسللت

 

مقالات ذات صلة

من البيت قبل منتصف الليل كأنني ظل لا يستحق أن يلاحظ وعندما وصلت إلى محطة الحافلات كانت الدموع قد تشبعت في معطفي الثقيل وجلست على المقعد الخشبي أحدق في الساعة المعلقة فوق رأسي وهي تسىخر من بطئي ومن وحدتي وجلست إلى جواري فتاة في أواخر المراهىقة لم تسألني شيئًا ولم تقاطعني فقط استمعت ثم أخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا منخفض الصوت وقالت أبي لقد وجدتها نعم أنا متأكدة اسمي نادية

السالمي أبلغ من العمر خمسًا وسبعين سنة وخلال العام الماضي كنت أعيش في غرفة الجلوس في بيت ابني كريم كمعطف قديم يُلقى على الكرسي لا أحد يريد التخىلص منه تمامًا ولا أحد يريد استخدامه وفي تلك الليلة لم تتكلف زوجته ريم حتى عناء التظاهر وقفت عند طاولة المطبخ تفتح زجاجة العصير الفوّار والجميع يبتسم كأنهم يمنحونني فضلًا وهي تقول بثقة وجدنا لك مكانًا مناسبًا بعد العطلة وكان كريم يقف خلفها عيناه مطفأتان يهز

رأسه وكأنه يوافق على بند في قائمة مشتريات وقال أمي هذا أفضل حل ستقابلين أشخاصًا في عمرك إنه مكان جيد وكأن الوحدة تُعالج بالأضواء الساطعة والأنشطة المجدولة وبينما كانوا يخططون للحفلة التي لم أكن جزءًا منها وكانت الزينة تُعلّق في أركان لم يُسمح لي بالاقتراب منها خوفًا من أن أفىسدها جلست وحدي في غرفتي وتناولت شطيرة باردة على طبق ورقي أحدق في الأشياء القليلة التي لا تزال لي لحاف خاطته أمي بيديها وبضع

صور قديمة وصندوق خشبي صغير يضم خاتم زواجي وبطاقة عيد الميلاد الأخيرة التي كتبها زوجي قبل رحيله وعندها تذكرت أمرًا لم يكن كريم يعرفه منزلًا ريفيًا صغيرًا ورثته عن والديّ منذ سنوات قديمًا متداعيًا لكنه كان ملكي ولم أخبر أحدًا ولم أرد إثىارة ضىجة لأن شيئًا بداخلي كان يعلم دائمًا أن بعض الأشياء يجب أن تبقى سرًا مقدسًا فجمعت ما أستطيع حمله فقط وكتبت رسالة لم تكن لطيفة لأنني توقفت عن محاولة أن أكون لطيفة

وقلت فيها لن أكون عبئًا بعد الآن لا تبحثوا عني أتمنى أن تسير حفلتكم كما خُطط لها وغادرت والسماء تشتعل بالألعاب الىارية ولم ينتبه أحد ولم ينادِ أحد باسمي ولم يركض أحد خلفي وفي محطة الحافلات كانت الأضواء قىاسية والساعة تشير إلى حافلة متجهة إلى وادي السكون في العاشرة وسبع وأربعين دقيقة مساءً وجلست أراقب الدقائق تتسىاقط والدموع تنهمر حتى شعرت أن حلقي أغلق تمامًا وحينها ركعت أمامي شابة وقالت بلطف

خالتي هل أنت بخير وحاولت أن أكذب لكن كلمة عائلة علقت في صىدري فقلت بحدّة لا ليس بعد الآن فجلست إلى جانبي وقالت اسمي ليان وأنا أجيد الاستماع وحافلتي لن تغادر قبل الحادية عشرة واستمعت لي ثم ابتعدت قليلًا لتجري مكالمة هاتفية وعندما عادت كانت عيناها تلمعان بالدموع لكن صوتها كان ثابتًا وقالت شخص ما قادم ابقي معي ثم سألتني سؤالًا أوقف قلبي خالتي نادية هل عملتِ يومًا في رياض الأطفال فهَمَست نعم سبعة وثلاثون عامًا ثم سألتني هل تتذكرين طفلًا اسمه يوسف عمران وفجأة رأيت صبيًا صغيرًا حذاؤه ضيق

وعيناه واسعتان والمعطف الذي اشتريته له سرًا لأن طفلًا لا يجب أن يرتجف ليعلّم الكبار معنى الكرامة وضغطت ليان على يدي وقالت هذا أبي وهو يبحث عنك منذ خمسة وأربعين عامًا وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا عميقًا أن تكون غير مرئي داخل عائلتك لا يعني أنك لم تُرَ يومًا وعندما فُتحت أبواب المحطة ودخل رجل يرتدي معطفًا أسود ينظر حوله كمن يبحث طوال عمره عن شخص واحد أدركت أن الخطوة التالية لم تكن هروبًا ولا فخًا بل بداية لم يكن أحد يتوقعها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى